ابن حزم
313
رسائل ابن حزم الأندلسي
فإن جسده حينئذ أثقل وزنا « 1 » ويعلم ذلك من اكتري من الحمالين « 2 » فإنهم يكثرون نهيه عن النوم حتى إذا استيقظ خفّ وزنه واستقل . وترى النفس في حال النوم قد تشاهد جزءا من النبوة بالرؤيا الصحيحة مما لا سبيل إلى مشاهدته في حال اليقظة . وهكذا كلما انفردت وتخلّت عن الجسد أدركت غوامض الأشياء وصحيح العواقب في الآراء حتى إن المرء في تلك الحال لا يسمع كلام من معه ولا يرى كثيرا مما بحضرته « 3 » . ثم نعود إلى ما بدأنا به فنقول ، وبالله تعالى التوفيق : إنك ترى الإنسان من بعيد صغير الجرم جدا كأنه صبيّ ، وأنت لا تشك بعقلك أنه أكبر مما تراه ، ثم لا يلبث أن يقرب منك فتراه على قدره الذي هو عليه الذي لم يشك العقل قط في أنه عليه . وكذلك يعرض لك في الصوت . وأيضا فإن الشيء إذا بعد عن الحاسة جدا بطل إدراكها جملة ، فإن الإنسان إذا كان منك على خمسة أميال أو نحوها رأيت « 4 » شبحه ولم تستبن عينيه ولا سمعت صوته أصلا ، حتى إذا قرب استبنت كل ذلك وميزت لون عينيه وسمعت كلامه . وكهدم رأيته من بعيد ولم تسمع صوته ولم يشكّ العقل أن « 5 » له صوتا مرعبا لو قربت منه لسمعته . فالعقل في كل ما ذكرنا لا يخون . وأما في حس الجسم فكخردلة تزاد في حمل الإنسان فلا يحس بها البتة ، حتى إذا كثر صبّ الخردل لم يلبث أن يعجز عن الاستقلال به ولو أنه صبّ على ظهر فيل أو سفينة بحرية . والعقل يعلمك أن تلك الخردلة المصبوبة أولا « 6 » لها نصيب من الثقل ضرورة ، إلا أنّ الحسّ قصر عن إدراكه لتأخر إدراك الحس عن إدراك العقل وأنه لا يدرك إلا ما ظهر ظهورا قويا وقد يخفى عليه كثير من الحقائق كما ترى . والعقل ، كما بينت لك ، يدرك حصة الخردلة من الثقل إدراكا لا فرق بينه وبين إدراكه حصة ما « 7 » ظهر إلى الحس من
--> ( 1 ) وزنا : مكررة في س . ( 2 ) م : الجمالين . ( 3 ) س : يحضره . ( 4 ) س : نظرت . ( 5 ) م : والعقل لا يشك فيه أن . ( 6 ) أولا : سقطت من س . ( 7 ) س : إدراك ما .